أضواء على فكّ الارتباط

أبو العباس الشامي
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن اهتدى بهداه..
وبعد،
بداية أثمِّن هذه الخطوةَ المباركةَ لجبهة النصرة، وأسأل الله -تعالى- أن يزيدهم هدًى وتوفيقًا وسدادًا لما فيه خيرهم وخير المسلمين في الدنيا والآخرة. وكان الأحبّ إلى قلبي أن تكون هذه الخطوة (أو لِنقل بداية مراجعات حقيقية في الأصح) منذ زمن بعيد، بل من قبل الجهاد الشامي المبارك إن شاء الله تعالى.
وإذ أُثمِّن هذه الخطوة فإني أحببت إلقاء بعض الأضواء عليها زيادةً في الخير وطلبًا له:
1-   أرى بدايةً أن هذه الخطوة تشير إلى قبول الانخراط في نوع من العمل السياسي الشرعي، القائم على جلب المصالح ودرءِ المفاسد بالجملة، وهذا في نفسه شيءٌ رائعٌ ومطلوبٌ، وإذا جاز قبول القيام بعمل كهذا اليوم فإنه يجوز أن تتبعه خطوات مشابهة في الغد، إذ فُتح الباب، وكُسرت الحواجز النفسية ولله الحمد، ورجائي أن تكون هذه الخطوة بداية مراجعات حقيقية تقوم على ما تم جَنْيه في الماضي، وما حصل من متغيِّرات وتطورات في الواقع، وما هو المطلوب من الاجتهاد في وسائل مكافئة لمتطلَّبات الزمان والمكان، ولا عيب في ذلك فها هو رسول الله صلَّى الله عليه وسلم يأمره الله تعالى: (وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا) فيدعو في سجوده في قيام الليل: (اللهمَّ رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون اهدني لما اختُلِف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم) {رواه مسلم عن عائشة رضي الله عنها} وهو صلَّى الله عليه وسلم المُسدَّد بالوحي، فكيف بمن هو دونه عليه الصلاة والسلام؟! وهذا الإمام الشافعي له مذهبٌ قديم ومذهبٌ جديد بحسبِ ما وقف عليه من العلم، وهذا الإمام أحمد بن حنبل له في كثيرٍ من المسائل الفقهية أكثر من رواية، وما ذاك إلا بحسب ما وقف عليه من العلم، وما أداه إليه اجتهاده بحسب مستجدَّات الواقع، وليس هذا موقوفًا على المسائل الفقهية فها هو الإمام الجويني بعد سنوات طويلة من نفي علوِّ الله تعالى على خلقه يرجع ويقرُّ بعلوِّه تعالى على خلقه، وقبله الإمام أبو الحسن الأشعري وقد نشأ أربعين سنة على مذهب المعتزلة، ثم يعود، وينتقل إلى غيره، وكان آخِر عهده على ما كان عليه سلف الأمة وأئمتها رحمه الله تعالى. 
ولا يلتفت في المقام إلى تشغيب المشغبين بأن هذه تراجعات لا مراجعات ‘ ولا مشاحّة في الاصطلاح فالرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل كما قال عمر رضي الله عنه، والمنكر أن يترك المرءُ الحقَّ إلى الباطل وليس العكس.
2-   ذَكر بيانُ فكّ الارتباط أن من جملة الأسباب في فكِّ الارتباط: (نزولًا عند رغبة أهل الشام في دفع الذرائع التي يتذرَّع بها المجتمع الدولي وعلى رأسه أمريكا وروسيا في قصفهم وتشريدهم لعامَّة المسلمين بحجة استهداف جبهة النصرة التابعة لتنظيم قاعدة الجهاد) أقول: دفع الذرائع التي تذرَّع بها العدوّ في حربه للإسلام والمسلمين من أصول السياسة الشرعية التي يجب مراعاتها والأخذ بها سواءً رغب بها أهل الشام أو لم يرغبوا، إذ هذه مهمة من يريد التصدُّر لقيادة الأمة وسياستها بالسياسة الشرعية، وفي كتب أصول الفقه (باب سدِّ الذرائع) حتى قال الإمام القرافي رحمه الله: (وأصل سدّها  - أي - الذرائع مُجمع عليه) وأسهب شمس الدين ابن القيم في كتابه (إعلام الموقِّعين عن ربِّ العالمين) في بيان صحة هذا الأصل ودلَّل عليه بنحو مائة دليل من القرآن والسنة.
 
3-   وجاء في أسباب فكِّ الارتباط أيضًا: (وانطلاقًا من مسؤوليتنا في النظر لمصالح أهل الشام وجهادهم وتخفيفًا للأعباء عنهم بما لا يخلُّ بثابتٍ من ثوابت الدين) أقول: تحمُّل هذه المسؤولية كان ينبغي أن يكون من سنوات طويلة، وهي من أول ما ينبغي أن يتَّصف به من يريد تصدُّر المسؤولية لقيادة الأمة. وأيضًا القيد المذكور متفق عليه، وليس الإشكال فيه، بل الإشكال في إدخال ما ليس من ثوابت الدين في ثوابت الدين، وأمثلة هذا معلومة، والكلام في هذا الأصل هو مجال البحث.
4-   وجاء في أسباب فكِّ الارتباط: (وتقريبًا للمسافة بيننا وبين الفصائل المجاهدة وأملًا منَّا في تشكيل جسم مُوحَّد يقوم على الشورى يجمع شمل أهل الشام) أقول: بدايةً أسأل الله -تعالى- أن يجمع كلمة المجاهدين ويوحِّد صفوفهم على ما يحب ويرضى، إذ وحدة الصف واجب شرعي وضرورة حرَكِيّة، ولكنّ الكلام عن وحدة الصف بدافعٍ عاطفي لا يُجدي لتحقيق المطلوب شيئًا، فقد كثر في الآونة الأخيرة الكلام عن وحدة الصفّ، بل صار الكلام فيه كالكلام في الكثير من المسائل (مثل الموضة) أقصد أصبح موضوعًا يولَع كثيرٌ من الناس بالكلام به ثم يزول. كما جرت قبل فترة (موضة) الكلام في وحدة الصفّ وإلقاء تهمة فشل التوحُّد على الأُمراء والقادة في المجالس ووسائل التواصل الاجتماعي (فيسبوك وتويتر) بحيث بات البعض يلعن القيادات والأمراء ويظنهم هم بلاء الأمة لا غير والأمر ليس كذلك، والحقيقة أن وحدة الصفّ لها أسبابها وموانعها الشرعية والكونية ومنها ما هو نفسيٌّ ومنها ما هو دينيٌّ ومنها غير ذلك، وإنه مهما قفزنا عن هذه الأسباب والموانع فلن تكون هناك وحدة بين المسلمين، وتعليق الوحدة أو الفرقة على سببٍ واحد ظلم، وتطويلٌ للطريق في تحصيل المطلوب، ونحو هذا ما نسميه اليوم من موضة الكلام على وحدة الصف بناءً على فكِّ الارتباط، وكأنَّ وحدة الصف ما كان يمنعها إلا فكّ الارتباط!! وإذا كان كذلك فلِمَ لم تتوحَّد الجماعات الأخرى التي لا علاقة لها بتنظيم قاعدة الجهاد؟! وهل ما تنتقده تلك الجماعات على جبهة النصرة هو موضوع ارتباطها بالقاعدة لا غير؟! إنَّ تصوُّر مثل هذا خطأ كبير، وسيصطدم أصحابه بواقعٍ مريرٍ بعد أيام، وإذا كان في قيادات (جبهة فتح الشام – النصرة سابقًا) من يظنُّ أنه لا يحول بين بعض الجماعات والتوحُّد مع جبهة النصرة (سابقًا) إلا ارتباطها بتنظيم قاعدة الجهاد فهو واهم، فالمؤاخذات على جبهة النصرة (سابقًا) أكثر من هذا، والله أعلم.
إنَّ البحث الموضوعي لأي مشكلةٍ ينبغي أن يكون شاملًا من جميع جوانبه، وإن لم يتم التشخيص الصحيح للمرض فلن يكون وصف العلاج الصحيح لهذا المرض.
 
5-   وجاء في بيان أسباب فكِّ الارتباط بل في صدارتها: (وانسجامًا مع التوجُّهات والتوجيهات العامة لتلك القيادة المباركة ...) أقول: أيها الإخوة الأحباب: ذِكر هذا في أسباب فكّ الارتباط فضلًا عن صدارتها لا ينسجم مطلقًا مع ما ذُكر من أسباب أخرى، وعلى رأسها (دفع الذرائع التي يتذرَّع بها المجتمع الدولي وعلى رأسه أمريكا وروسيا) ومثله أيضًا خروج أحد قيادات تنظيم القاعدة عن يمين الجولاني، إذ كان ينبغي أن يتم إخراج بيان فكّ الارتباط بما ينسجم مع هذا الهدف، وهو خديعة العدو وتفويت الفرصة عليه كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (الحرب خدعة) فهل فكُّ الارتباط هذا للتسويقِ الداخليِّ أم لدفع ذرائع العدو جديًّا؟! والظاهر أنَّ الحامل على هذا قد يكون من الخطأ في الإخراج، إذ الإخوة حديثو النظر في العمل السياسي، وكان ينبغي أن يستشيروا أهلَ الاختصاص من غيرهم لسدِّ هذه الثغرة.
وقد يكون هذا بسبب ضغط مسألة مُلِحَّة عند الجبهة وهو (الحصول على الشرعيَّة) فبسبب التربية الحِزبيَّة التي نشأ عليها أكثر أتباعهم صارت (الشرعية) محصورة في تنظيم القاعدة، ويكفي للشك في أي راية أو جماعة أخرى عدم حمل رايتهم أو الانتماء لتنظيمهم، وضغط هذه المسألة هي التي اضطرت الفاتح الجولاني إلى إعلان بيعة تنظيم القاعدة بعد الانشقاق الذي حصل مع داعش (جماعة البغدادي آنذاك) وفقده للشرعية التي كانت له من قِبَل البغدادي، وقد أشرتُ إلى هذه المعضلة من قبل ونصحت –وما زلت– بتجاوز هذه الإشكالية بالانتماء إلى سعة الإسلام العامّ، وأنَّ كل من كان مسلمًا وأعلن الجهادَ أو دفعَ العدوّ الصائل فهو شرعيّ قَبِله مَن قَبِله ورفضه مَن رفضه.
ومع هذا الخلل في الإخراج فيبقى للخطوة مكانتها الطيبة في نفوسنا جميعًا، وكم أرجو أن يأتي يوم ينقلب فيه فكّ الارتباط أيضًا بحيث يصير من الأصل للفرع كما شهدنا اليوم من الفرع للأصل، وذلك حين ينحرف الفرع ويخرج عن المنهج الأول الذي نشأت عليه الجماعة، وعما فيه مصلحة الإسلام والمسلمين، فيتم عزلهم وفصلهم والبراءة من فِعْلهم بكل قوة وشجاعة، إذ مصلحة الأمة مُقدَّمة على مصلحة الجماعة فضلًا عن فرع من فروعها.
وأخيرًا جزى الله خيرًا إخواننا في (جبهة النصرة سابقًا) وأسأل اللهَ أن يوفّقهم ويعينهم في ثوبهم الجديد القشيب على زيادة الهدى والسَّداد والبصيرة في الدين، وأن يبارك في جهادهم على هدي المصطفى صلَّى الله عليه وسلم، والله أعلم، وصلَّى الله على محمد وآلِهِ.