بين جروزني والكويت.. حضرت السياسة وغاب أهل السنة

الأستاذ إسلام فرحات

 

نعم.. حضرت السياسة وغاب أهل السنة.. تلك هي اللافتة الأوفق لمؤتمرين عقدا بين أغسطس ونوفمبر من العام 2016م، حاول المؤتمرون فيهما إعادة تحديد المفهوم الأكثر استعمالا في كتب العلم الشرعي وهو مفهوم أهل السنة

الأول عقد في أغسطس بالعاصمة الشيشانية جروزني، بحضور رسمي على رأسه شيخ الأزهر ومفتي مصر وأكثر من مائتي عالم، والثاني عقد في نوفمبر بالعاصمة الكويتية بحضور أقل أهمية من حيث رموزه وطبيعة مناصبهم العلمية!

وفي محاولة لفهم طبيعة الحدثين ينبغي التاكيد على أمرين غاية في الأهمية:

الأول: أن محاولة تجيير الدين ومفاهيمه لخدمة أهداف سياسية ليست بدعا في هذا العصر وإنما هي امتداد لسلسلة متصلة على مر التاريخ الإسلامي  بحسبان الدين أحد أهم المؤثرات في إضفاء الشرعية على المسلك السياسي كسبا للأتباع وشرعنة للوجود..

الثاني: أن الخارطة السياسية للعالم الإسلامي الآن قد كثر فيها اللاعبون، ومن ثم تعدد الفرقاء، وبالتالي فلابد من محاولات ومحاولات مضادة، وهنا تأتي أسماء كـ “مجلس حكماء المسلمين” والذي تم تدشينه ليكون موازيا لـ “الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين” وغير ذلك من الكيانات والمؤتمرات التي يهرع فيها كل طرف سياسي ليعزز موقفه ويضفي الشرعية على توجهاته..

وقد كثر ذلك خاصة بعد موجة الربيع العربي الأولى والتي صنفت الداخل الإسلامي إلى صنفين، أحدهما مع الحرية والآخر ضدها.. لكنه لا يستطيع التصريح بذلك، ومن ثم يلجأ للدين ليلوذ به مجترا أحداثا تاريخية منفكة العلاقة مع الحاضر بصورة شديدة الوضوح..

على أية حال فإن المؤتمرين كانا تمثيلا لهذا التيار الكاره للحرية المعادي للربيع العربي، لكن الاختلاف بينهما كان اختلاف مصالح سياسية لا أكثر ولا أقل، وللتاكيد على هذه الحقيقة لا بد أولا من استعراض مابين المؤتمرين من أوجه شبه في التوجهات والرؤى والفكرة، وثانيا ما بينهما من تضاد في المصالح والمقاصد..

فمن ناحية كان المؤتمران وجهين لعملة واحدة.. وذلك لعدة أسباب:

أولا: طبيعة الحضور في المؤتمرين وإن اختلف الوزن النسبي لهم تؤكد تلك الحقيقة، ففي جروزني كان التجمع لكل علماء الأقطار العربية المساندين لأنظمة بلادهم ضد الربيع العربي، لكن الشرط كان هو توافق تلك الأنظمة مع الطرف الروسي الاكثر حضورا في دعم نظام حول الربيع العربي في بلده إلى كابوس..

 

وفي الكويت كان الحضور باهتا لشخصيات تمثل ذات الخط وإن كان تأثيرها أقل، والدليل أن الإعلام الذي تعامل مع المؤتمر بزخم أقل من مؤتمر جروزني، لم يحفظ لنا إلا اسمين هما الشيخ أحمد بن المرابط الذي وصفه المؤتمر بأنه مفتي موريتانيا وهو خطأ محض لأن موريتانيا بلا مفت، وهذا معلوم لكل العالمين بالشأن الديني الموريتاني، والثاني هو من تلا البيان الختامي وهو الشيخ عبدالعزيز السعيد من جامعة الإمام محمد بن سعود.. وهو لقب يحمل معنى وجوده.

ثانيا: كلا المؤتمرين أثبت في بيانه الختامي ضديته لثورات الربيع العربي ووقوفه مع الأنظمة التي يمثلها وإن جاءت العبارات في مؤتمر جروزني أكثر احترافية في صياغتها عن مثيلاتها في مؤتمر الكويت..

ثالثا: كلا المؤتمرين صمت صمتا مطبقا عما يحدث لأهل السنة من محاولات إبادة في حواضر عربية كثيرة كالعراق وسوريا واليمن، وكأنه يقوم بالتنظير لواقع آخر غير الذي نحياه..

اللهم إلا في محاولة المكايدة السياسية أيضا حينما حيا بيان الكويت موقف التحالف العربي مما يحدث في اليمن، وحث اليمنيين على استكمال ثورتهم واستعادة شرعيتهم… مع أنه ينكر من الأساس هذا المسلك!!

أما من ناحية الفوارق بين المؤتمرين فينبغي الاعتراف بأنها على المستوى المهني الاحترافي صناعة وتسويقا للفكرة ومنتجا نهائيا تصب في صالح مؤتمر جروزني..

فإعلاميا لعب الداعية اليمني الحبيب علي الجفري المعروف بطبيعة ولاءاته واختياراته السياسية دورا كبيرا في تسويق الفكرة والتأسيس لها، حيث استطاع بعلاقاته المتشعبة إقناع رموز المؤسسة الدينية الأعرق وهي الأزهر الشريف بالمشاركة، مما أعطى للمؤتمر زخما كبيرا..

فشيخ الأزهر ومفتي الديار المصرية والمفتي السابق علي جمعة كانوا على رأس الحضور وإن تبرأ الأزهر بعد ذلك من بعض ما ورد في بيان المؤتمر الختامي إلا أن الضربة الأولى هي الأكثر رسوخا في ذاكرة المتلقين إعلاميا..

أيضا فقد غذى هذا الحضور طبيعة التغطية الإعلامية وأكسبها زخما كبيرا جعل المؤتمر حديث أوساط النخب العربية والإسلامية قبولا ورفضا فترة طويلة، وهو ما يصب في صالح فكرته وترويجها ولو سلبا حيث أعاد النقاش للمفهوم المستقر لدى كثيرين مرة اخرى!

وفي المقابل جاء مؤتمر الكويت باهتا على مستوى حضوره، باهتا على مستوى تسويقه إعلاميا، باهتا على مستوى كونه ردا متأخرا على مؤتمر جروزني!

وظني أن غياب الاعتقاد لدى دول عربية كبرى بأن مصطلح أهل السنة ودعمه يمثل هوية لها هو السبب الأبرز في تأخر هذا الرد الذي تم سلقه على عجل ليخرج مؤتمر الكويت بهذه الصورة القميئة..

ومما يعزز أن مؤتمر الكويت كان محاولة فاشلة للرد على مؤتمر جروزني هو هذه “الحمى” التي أصابت كاتبي بيانهم وجعلتهم يحاولون الصراخ بأن السلفيين هم أهل السنة، وأن أي محاولة لإخراجهم أو إعادة وضعهم داخل المصطلح بصورة لا تجعل منهم رأس الأمر وعموده غير مقبولة!!

ففي الفقرة الثامنة من البيان يقول المؤتمرون: ” جَعْلُ مذهب السلف مكوّنا من مكوّنات أهل السنة والجماعة خطأ محض، بل هم أهل السنة والجماعة..”

وفي الفقرة الحادية عشرة يقولون: ” تقسيم السلفية إلى تيارات، ومنها: السلفية الجهادية، والسلفية التكفيرية، محض افتراء، لا يقوله إلا جاهل بمنهج السلف أو صاحب هوى…”

وفي الفقرة الثالثة عشرة من البيان يقولون: ” يندد المشاركون في المؤتمر بما تنشره بعض وسائل الإعلام العربية والغربية من نسبة الغلو والتطرف إلى السلفية أهل السنة والجماعة، واتهامهم به مع براءتهم من ذلك، كما تشهد به كتبهم وجهودهم ومواقفهم…”

وكأنه إذن مؤتمر للدفاع عن السلفية التي يتمذهب بها هؤلاء فكرة وسياسة دولة، وليس مؤتمرا لتصحيح خطأ وإعادة تحديد مصطلح!!!

أيضا ما يؤكد هذا المنحى هو وقوع أصحاب مؤتمر الكويت فيما أخذوه على مؤتمر جروزني، ففي حين عم الغضب جنبات العالم الإسلامي بسبب إخراج السلفية والوهابية والإخوان من مصطلح أهل السنة في بيان جروزني إذا بمؤتمر الكويت يقع في الفخ ذاته ويلمز كل من عدا السلفية التي يفهمها كاتبوا البيان، سواء كان ذلك تصوفا، او إخوانا، أو غير مؤدلجين بالمرة..

ففي الفقرة الثانية وهو يعرف أهل السنة يقول عنهم: ” لا ينتسبون إلى طائفة أو حزب أو تيار أو جماعة، مكتفين بالانتساب إلى الإسلام والسنة، مقتصرين على الألقاب الشرعية…” وكأن الانتساب إلى الأحزاب أو الجماعات مخرج من ربقة أهل السنة والجماعة!! تماما كما فعل مؤتمر جروزني ولكن بصياغات أكثر احترافية كما أسلفنا..

ولمزا في الصوفية وأصحاب الطريق وهم أكثر صانعي مؤتمر جروزني يقول مؤتمر الكويت في فقرته الخامسة متحدثا عن الأئمة الأربعة بوصفهم أئمة أهل السنة والجماعة: “وهم أئمة في السلوك والتزكية أيضا، وقصرُ أتباعهم على الفقه دون العقيدة والسلوك، ومتابعة من جاء بعدهم فيها ممن لم يبلغ شأوهم عين الخطأ، وسبب من أسباب الضلال والانحراف، وهو تجهيل للأئمة أو تضليل وإزراء، يَربأ بهم أهل العلم عن ذلك…” وهو غمز واضح في المتصوفة وأئمتهم وأغلبهم تاريخيا بعد عصر الأئمة الأربعة!

إذن هي المكايدة السياسية.. العنوان الأبرز للمؤتمرين الذين حاولا تجيير مصطلح أهل السنة والجماعة لصالح توجههما السياسي، وعند المقارنة يتجلى رسوب مؤتمر الكويت بشدة في محاولته الرد على مؤتمر جروزني.. وإن اتفق الاثنان على حضور السياسة وغياب أهل السنة!