فتوى التغلب للدكتور إبراهيم السلقيني.. ما لها وما عليها

عادل باشا

الحمد لله وحده.
لقد كتب الدكتور إبراهيم عبد الله السلقيني -وفقه الله- مقالًا تضمن فتوى فحواها فرض توحُّد الفصائل ولو بالقوة!
وقبل التعليق على مقال الدكتور، أُشيد أولًا بهذا المقال وما تضمنه من تشخيص دقيق لأمراض الكثير من الفصائل، والذي يدل على سعة اطلاع وقرب من مواقع الأحداث، فتشخيصه تشخيص محنك متمرس في تخصصه.
وأُشيد أيضًا بحرقته وتألُّمه على ما آلت إليه أحوال العباد والبلاد، والذي يرى أن من أهم أسبابه هو حالة التشرذم التي عليها الفصائل المُقاتِلة ضد النظام، وما يوجبه هذا من ضرورة توحُّدها واجتماعها، وفي المقابل يرى حالة البلادة والفتور من بعض قادة الفصائل، مما دفعه للقول بأن يفرض عليهم التوحد بالقوة.
فأُشيد بدقة تشخيصه وذكره لمكنونات ودواخل قادتها، لولا صيغ التعميم الجائرة!
ولكن للأسف ففي محاولة الدكتور لعلاج هذا المرض أخفق، فأحال على دواء أقرب منه إلى الداء، دواء لا يشفي بل يعجل بالوفاة!
- ويذكرني هذا بقول النبي صلى الله عليه وسلم: "إن الرجل ليلجمه العرق يوم القيامة، فيقول: أرحني، ولو إلى النار".
وقول من قال: المستجير بعمرو حين كربته*** كالمستجير من الرمضاء بالنار
وهذه الفتوى لا شك أنها خطأ لسببين:
الأول: افتقارها للدليل الشرعي، وهو الأصل الذي تنبني عليه الفتاوى.
الثاني: آثارها وما تؤول إليه من مفاسد هي أكبر من مفسدة التفرق والتشرذم!
- أما افتقارها للدليل الذي يدعم شرعيتها، فلم يذكر الدكتور أي دليل على ما ذكره، فهي لا تقوم على أساس، فليس في الشريعة ما يدل على ذلك، وقد حاول الدكتور أن يبني  فتواه على شرعية المقصد نفسه (وجوب التوحد)، ولسان حاله يقول: إن الوسائل لها حكم المقاصد، ولكن من قال إن الاقتتال بين الفصائل أو فرض التوحد بالقوة وسيلة أصلًا؟!
نعم.. الوسائل لها حكم المقاصد.. الوسائل المشروعة، وثمة فرق بين ما لا يتم الواجب إلا به وما لا يتم الوجوب إلا به فليس بواجب، فما لا يتم الواجب إلا به مشروع مباح ممكن، تجب وسائله كما تجب مقاصده، فما أوجب الله شيئًا إلا أوجب وسائله، وما حرم شيئًا إلا حرم وسائله، فما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وكلاهما يسقط بالعجز.

أما ما لا يتم الوجوب إلا به فهو إما غير داخل في مقدور المكلف فلا يجب كدخول وقت الصلاة وحولان الحول، وإما داخل في مقدوره ولا يجب كتحصيل النصاب للزكاة، والاستطاعة للحج، ومن ذلك الاقتتال بين الفصائل لإجبارها على التوحد، فالتوحد واجب والاقتتال ليس بواجب، بل محرم!
- وحتى إن سلمنا بشرعية فرض التوحد بالقوة فإن الناظر المتأمل في آثار ذلك يقطع بفساده وبطلانه فإن الشريعة جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها وتعطيل المفاسد وتقليلها، وهذه الفتوى لها آثار مدمرة على كل الأصعدة العسكرية والثورية والسياسية، وقبل ذكر هذه الآثار أنبه أولًا إلى خطأ بعض المقدمات التي بنى عليها حكمه ومنها:
1- قول الدكتور: "إن الصلح لا يقوم على الحقيقة ولكن على تسكين وتهدئة الأطراف" وهذا غير دقيق؛ بل يقوم على الحقيقة ابتداء وأصلًا، لاسيما إذا تعلقت به الحقوق، فوجب بناؤه على الحقيقة، فإذا تعلقت الحقوق بالذمم، لزم وقوع الصلح على الحقيقة المُوصلة إلى ردّ الحقوق إلى أهلها ما لم يتجاوز صاحب الحق عنه، ولن يحدث هذا إلا إذا عُرفت الحقوق وتمكن منها أصحابها، فحينئذ يكون الصلح على ما ذكر الدكتور من التهدئة وتطييب النفوس وتهيئتها.
2- صِيغ التعميم التي صبغت مقال الدكتور بحيث لا يستثني فصيلًا من الفصائل من الأوصاف التي ذكرها، والتي ستعود بالضرورة على مقاله بالنقض! فإنه إذا كانت جميع الفصائل بهذه الصورة السوداوية التي ذكرها الدكتور، فمن منهم أحق بالتغلب وإجبار البقية على التوحد معه؟!
وكذا صيغ التعميم في أن كل التحليلات للمواقف غير موضوعية، فهذا تعميم جائر لا يصح!
3- اتهامه للقضاء في كل الفصائل أنه تابع للفصائل وأنه يسير وفق مراداتهم غير صحيح وهو اتهام دون دليل وهذا طعن في أفضل الأعمال على الأرض، وإن كان لا يخلو كلام الدكتور من وقائع.
4- قوله: "ومع عدم وجود إخلاص من الفصائل في التوحد كما سبق"، وهذا تعميم جائر وطعن غير مبرر ودخول في النوايا، وليس معنى أن يصدق كلام الدكتور على بعض الفصائل أن يصدق على جميع الفصائل، فهناك فصائل بلا شك تدفع نحو التوحد لكنها تفتقر إلى مقومات ذلك، وبعضها يحال بينه وبين التوحد.

 - أما عن آثار هذه الفتوى فألخص ما ذكره الأستاذ مأمون ديرانية وقد أفردها بمقال بيَّن فيه آثارها المدمرة فذكر أن:

- تفويض بعض الجبهات أو الفصائل بإجبار الفصائل الأخرى على التوحد معها بالقوة، سيكون بمثابة إعلان حرب عليها، فإما أن تبادر هي بالقتال أو تقف موقف المُدافِع عن نفسه، وهذا بلا شك إنهاك لهذه القوى المنهكة أصلًا، وإضعاف للجبهات التي تعمل في مواجهة النظام، وستكون فرصة سانحة للنظام لأن يلتقط أنفاسه، ويعيد ترتيب أوراقه ونشر قواته لينقض على ما حرر من المناطق فيلتهمها واحدة تلو الأخرى، وعلى أضعف الأحوال سيقف منهم موقف المتفرج، ويؤجج نار الفتنة كلما خبت، كما كان يفعل مع "تنظيم الدولة" في قتاله مع الفصائل التي يتهمها بأنها صحوات، فييسر له طرق الإمداد والمناورة دون اعتراض ويفتح له المجال للتزود بالسلاح وغيره، حتى إذا أنهك الجميع انقض عليهم وأفناهم.
وأضيف أيضًا أن هذا الاقتتال سيشغل الجميع في محاولة إيقافه والتوسط بين الأطراف المتنازعة، وسيزيد من هوة الخلاف بينهم، بل سيزيل الثقة بين جميع الأطراف فوق ما هو كائن الآن، وسنقول لهم تفرقوا ولا تقتتلوا، ويكفيك من فتوى هذا نتاجها!!
والله أعلم.