التبرع بالحياة!!

الدكتور حسام عدنان

منذ أسبوعين تعرضت الغوطة عمومًا ودوما خصوصًا لهجمة شرسة جدًّا، أكثر من عشرين غارة وخمسة صواريخ عنقودية وعشرات الصواريخ وقذائف الهاون وعجَّت النقاط الطبية بالجرحى من النساء والأطفال وبدأت المساجد تنادي بالتبرع بالدم بسبب الضغط الشديد واستنزاف مخزون وحدات الدم، واستُشهد أحد المسعفين وأصيب آخرون وتساءل الناس هل قامت القيامة؟!
لم نستطع الخروج من قبو العمليات إلى القبو المجاور علمًا أن المسافة بضعة أمتار فقط.
أثناء كل تلك الضوضاء والنيران اتصل بنا المخبري المسؤول عن نقل دم يقول: المتبرعون كثر وبعضهم جاء ليتبرع، فوصل شهيدًا أو جريحًا، فكرنا مليًّا، وقلنا: نحافظ على الأهالي ونفقد بعض الجرحى خير من التضحية بالجميع.
عمَّمْنا على المساجد أن النقاط لم تعد بحاجة للدم وعلى الجميع التزام الملاجئ.
بصعوبة بالغة وصلنا بنك الدم حيث هنالك العشرات يتم سحب الدم منهم، وأنا بالأسفل ترتعد فرائصي من هول القصف وتدمع عيني من هذا الشعب العظيم الذي يتحدى الموت ليهب لغيره الحياة.
فاجأني شاب بأعلى الدَّرَج على دراجة نارية يصيح: هل مازلتم بحاجة للدم حضرت من الحجارية (وهي منطقة بعيدة جدًّا)؟ قلت له بانفعال: «ما بدنا» ، ألم تسمع المساجد انزل فورًا والتجئ إلى القبو.
أجاب متلهفًا: دكتور أريد التبرع، ولا أريد الاختباء، إما أن تأخذ من دمي أو أتابع طريقي.
صعدت عنده منفعلًا؛ لأنه رفض حتى النزول من على دراجته النارية، وهناك صُعِقْتُ!
الشاب لديه بتر من عند الورك ومبتورة كف يده بنفس الطرف الذي كان خلف الدراجة فلم ألحظه، ولذلك لم يستطع النزول.
وقفت بجانبه وأنا أفكر كم تحمَّل من مشقة ليلبس ثيابه وليركبه أحدهم على دراجته ثم ليقودها تحت هذا القصف ليأتي ويتبرع لغيره بدمه، وهو يعلم أنه ممكن أن يكون شهيدًا أو جريحًا أثناء طريقه.
إخواني تلك الهمم تستنهض هِممنا جميعًا، من يستطيع أن يقف مع هؤلاء بكلمة أو دعاء أو موقف فلا يبخل.
كلنا مسؤولون والموقف لا يمس أشخاصًا بعينهم بل يمس وطنًا كاملًا وجيلًا إما يحيى عبدًا تحت أقدام هؤلاء المجرمين أو يحيى حرًّا ينشر العدل والسلام.